اصطفت كراسي ودكك بجوار بعضها البعض .. بعض هذه الكراسي ابتلي بأشخاص حضروا مبكرا .. اصوات الناس تعلو وتنخفض .. رجال يزرعون الشارع جيئة وذهابا
جلس صاحبنا على واحد من تلك الكراسي .. كراسي مصنوعة من الألومونيوم ومكسوة بطبقة من القطيفة .. انتشرت هذه الكراسي مؤخرا في المناسبات
لم تكن تروقه هذه النوعية من الكراسي .. فهي تعوقه عن الجلوس المريح .. فهي صغيرة مقارنة بحجمه
فكر في التخلص من هذا الكرسي والقيام بحركة لا يعرف عواقبها إلا الله .. هم بالوقوف لكي يجلس على الدكة الواسعة التي تناديه أو هكذا تخيل .. لكنه لم يتحرك من مكانه .. فلقد جاء رجل قصير وأجلس أحد الناس في هذا المكان .. كان هو نفسه الرجل الذي قاد صاحبنا الى هذا الكرسي اللعين
أصبح الكرسي الصغير يمثل عبئا على صاحبنا .. أخذ يتململ مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار .. كان يتخيل أن وزنه سيكون له تأثير بشع في حالته .. وأنه حين يقف سيكون شكل الكرسي مطبوعا على مؤخرته
كاد يلعن اليوم الذي طلب منه أبوه الذهاب لاداء واجب العزاء .. لكن معاناته لم تطل فلقد صاح رجل تعلو صوته مسحة من الحزن قائلا: تفضلو يا خوانا
انتزع صاحبنا نفسه من الكرسي انتزاعا .. أحس بارتياح شديد .. أخيرا اراح نفسه من هذا الهم الثقيل .. امتدت يده بعفوية تعدل من وضع جلبابه على مؤخرته
تحرك صاحبنا مع الجمع .. وصلو للمسجد الذي سيصلون فيه صلاة الجنازة .. دخل بعض الناس لاداء الصلاة لكن صاحبنا ظل واقفا خارج المسجد .. لم يدخل ليس لانه لا يحب الصلاة لكن ربما كان السبب هو ذاك الموقف الذي تعرض له صغيرا
ذهب مرة الى المسجد في احد ايام اغسطس الحارقة وبعد انتهاء الصلاة لم يجد الشبشب البسيط الذي كان ينتعله ولم يكن تعلم وقتها ان الناس لن تبالي اذا اخذ شبشبا من المسجد ويقوم باعادته فيما بعد كان يحس انه يسرق لذا اثر الرجوع الى منزلهم البعيد حافي القدمين
كان يحاول التغلب على هذا الموقف ولكن كلما هم بالدخول يحس باحتراق في قدميه
حين خرج الجمع من المسجد استأنف المسير مرة أخرى ولم يكن صاحبنا يدري ماذا سيحدث بعد ذلك فلقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها واجب
في البعد لاحت سيارة نقل كبيرة .. بجوارها بعض سيارات البيجو والميكروباص .. ادرك ساعتها لماذا اعطاه ابوه جنيها حين قال له اذهب .. بدأ يتخطى الناس برشاقة عجيبة .. ربما كان مصدر هذه الرشاقة غير العادية هو خوفه من تكرار مأساة الكرسي القطيفة .. ربما كان أيضا خوفه من الحشر بين ثلاثة ركاب في واحد من المقاعد الخلفية .. رغم أن القوانين تفرض أن يكون في المقاعد الخلفية ثلاثة ركاب فقط إلا أن جشع السائقين واستغلالهم حاجة الناس يجعلهم يفرضون وجود أربعة في المقعد الخلفي .. ولحسن حظ صاحبنا جلس بجوار السائق على كرسي واسع مريح وعلى يمينه الباب .. نظر صاحبنا في مراة السائق فوجد المقاعد الخلفية لا تعاني .. العدد مطابق للمواصفات .. أقصد القوانين .. تعجب صاحبنا من السائق .. فحدق رغما عنه في وجه هذا الغريب .. لاحظ السائق أن صاحبنا اطال النظر اليه فقال: في حاجة يا استاذ .. تلعثم صاحبنا واحمرت وجنتاه وقال: ايه؟ لا لا ابدا .. سلامتك .. انا بس بتفرج ع الترعة اللي على شمالك .. عادي يعني
صمت السائق وركز في الطريق .. لكن صاحبنا لم يتمكن من اخفاء دهشته من هذا السائق الغريب غير الجشع .. لم يستطع أن يسكت فساله: هو انت منين ياسطة؟ البلد يعني؟ رد السائق وهو مشغول بالطريق امامه: من زليتم .. عارفها؟ ابتسم صاحبنا وقال: طبعا طبعا .. أحسن ناس .. لم يرد عليه السائق فقد كان مشغولا بالمرور من السيارات التي امامه وكانه في سباق
كان السائق يحس أنه على اخره .. انه قنبله بيولوجية من الممكن ان تنفجر في اي وقت .. لذا كان يضغط على دواسة البنزين بشدة لانه يريد أن يصل سريعا ليتجنب انفجار القنبلة .. لم تعجب هذه السرعة بعض الركاب كبار السن .. وتحول عدم الاعجاب الى سخط بعد مطب كادت فيه رؤوس الناس ان تخرج من سقف الميكروباص فصاح أحدهم: ياااااااااااا عم انت عايزين نوصل وحياة أبوك .. كانت القنبلة على وشك الانفجار ولم يستطع السائق تحمل مثل هذه التعليقات المستفزة في نظره .. فأخذ يصيح: انتو هتتعبونا معاكم ليه؟ الواحد مزنوق من الصبح وعايز يتنيل يعمل زي الناس وطالما انتو مش عجباكم السرعة خليكم استنوني لما اجيلكم .. وترك السائق السيارة وتوغل داخل الارض الزراعية التي على جانب الطريق
كان الركاب مذهولون لم يكونو متوقعين ذلك وكسر الصمت أحد الاشخاص حين قال: هي حبكت!! وانفجر الركاب في الضحك
لم يكن صاحبنا متعجبا لكنه ضحك ايضا لكنه كان يضحك لسبب اخر .. كان يعتقد بالطبع قبل هذا الموقف أن السائق لا يشعر بما يشعر به البشر فهو مصمم لغرض واحد وهو القيادة .. القيادة فقط ولا شيء غير ذلك
لم يستطع صاحبنا منع نفسه من الضحك حين صعد السائق مرة اخرى للميكرباص .. نظر له السائق باستغراب لكنه لم يتكلم .. ادار الميكروباص وقاد في هدوء هذه المره
وصل الميكروباص الى المقابر وبدأ الركاب في النزول وما إن يبتعد احدهم حتى يكيل الشتائم للسائق وبلده .. الا صاحبنا فقد كان يحاول جاهدا ان يكتم ضحكته ويتحكم في جسده الذي بدا وكانه يرقص
وما ان بدأ اهل الميت في أخذ العزاء وشكر الناس على مشاركتهم حزنهم حتى أحس صاحبنا بالقنبله .. القنبلة التي لا يمكن ان تنفجر في وقت أسخف من هذا .. احمر وجه صاحبنا ولكن هذه المرة من الخجل .. ماذا يفعل .. بدأ ينسحب شيئا فشيئا حتى ابتعد واراد قضاء حاجته .. سار مسرعا الى جانب الطريق لكنه لمح السائق ينظر اليه .. استدار مبتعدا حتى وجد مكانا مناسبا
حين انتهى الناس من مراسم العزاء بدأو في ركوب الميكروباص مرة أخري .. وحين صعد صاحبنا الميكروباص وجد السائق ينظر اليه وعلى وجهه ابتسامة عريضة
نظر اليه صاحبنا وقال: مالك؟ لم يتمالك السائق نفسة من الضحك وقال له: ايه؟ لا لا ابدا .. سلامتك .. انا بس بتفرج ع الترعة اللي ... وسكت
هناك تعليق واحد:
ههههههههههههههههههههههههه
جميله جدا جدا جدا حلوه اوى
إرسال تعليق